ابن رشد
135
تهافت التهافت
بل الفاعل إنما هو فاعل من جهة ما هو موجود بالفعل ، لأن المعدوم لا يفعل شيئا ، والذي يلزم عن هذا هو أن تنتهي الفاعلات المفعولة إلى فاعل غير مفعول أصلا ، لا أن ترتفع الفاعلات المفعولة كما ظن القوم . وأيضا فإن الذي يلزم نتيجتهم من المحال أكثر من الذي يلزم مقدماتهم التي منها صاروا إلى نتيجتهم ، وذلك أنه إن كان مبدأ الموجودات ذاتا ذات حياة ، وعلم وقدرة ، وإرادة ، وكانت هذه الصفات زائدة على الذات ، وتلك الذات ، غير جسمانية ، فليس بين النفس وهذا الموجود فرق إلا أن النفس هي في جسم ، وهذا الموجود هو نفس ليس في جسم ، وما كان بهذه الصفة فهو ضرورة مركب من ذات وصفات ، وكل مركب فهو ضرورة يحتاج إلى مركب ، إذ ليس يمكن أن يوجد شيء مركب من ذاته كما أنه ليس يمكن أن يوجد متكوّن من ذاته ، لأن التكوين الذي هو فعل المكون ليس هو شيئا غير تركيب المتكون ، والمكون ليس شيئا غير المركب ، وبالجملة فكما أن لكل مفعول فاعلا كذلك لكل مركب مركبا فاعلا ، لأن التركيب شرط في وجود المركب ، ولا يمكن أن يكون الشيء هو علة في شرط وجوده ، لأنه كان يلزم أن يكون الشيء علة نفسه . ولذلك كانت المعتزلة في وضعهم هذه الصفات في المبدأ الأول راجعة إلى الذات لا زائدة عليها على نحو ما يوجد عليه كثير من الصفات الذاتية لكثير من الموجودات ، مثل : كون الشيء موجودا وواحدا وأزليا وغير ذلك أقرب إلى الحق من الأشعرية ومذهب الفلاسفة في المبدأ الأول هو قريب من مذهب المعتزلة . فقد ذكرنا الأمور التي حركت الفريقين إلى مثل هذه الاعتقادات في المبدأ الأول ، والشناعات التي تلزم الفريقين ، أما التي تلزم الفلاسفة فقد استوفاها أبو حامد ، وقد تقدم الجواب عن بعضها ، وسيأتي بعد ، وأما التي تلزم المتكلمين من الشناعات فقد أشرنا نحن في هذا الكلام إلى أعيانها . ولنرجع إلى تمييز مرتبة قول قول من الأقاويل التي يقولها هذا الرجل في هذا الكتاب من الإقناع ، ومقدار ما يفيده من التصديق على ما شرطنا ، وإنما اضطررنا إلى ذكر الأقاويل المحمودة التي حركت الفلاسفة إلى تلك الاعتقادات في مبادئ الكل ، لأن منها يتأتى جوابهم لخصومهم فيما يلزمونهم من الشناعات ، وذكرنا الشناعات التي تلزم المتكلمين أيضا ، لأن من العدل أن يقام بحجتهم في ذلك ويناب عنهم إذ لهم أن يحتجوا بها ، ومن العدل ، كما يقول